مصطفى مسلم
81
مباحث في التفسير الموضوعي
وثمانون سورة بمكة وإنما أنزلتا بالمدينة ؟ فقال : قدّمتا وألّف القرآن على علم ممن ألّفه به ومن كان معه فيه واجتماعهم على علمهم بذلك فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه « 1 » . ومما استدل به الجمهور على أن ترتيب السور في المصحف توقيفي قول عبد اللّه بن مسعود ، في بني إسرائيل والكهف ومريم : « إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي » « 2 » أي من قديم ما أنزل ، وقد ذكرها بالترتيب الوارد في المصحف . كما أن الجمع بين السور المتشابهة في فواتحها مرة ، والتفريق بينها مرة أخرى يدل على أن ذلك لم يكن عن اجتهاد ، فقد وردت السور المبدوءة ب ( حم ) وتسمى آل حاميم أو الحواميم مجتمعة في مكان واحد ، بينما فرقت المسبحات ، وهي السور التي تبدأ ب ( سبّح ، يسبّح ، سبّح ، سبحان ) والمنطق البشري يقتضي التوحيد في الجميع أو التفريق في الجميع . لقد عرف عن الصحابة رضوان اللّه عليهم حرصهم الشديد على حفظ القرآن الكريم ، وكل ما يتعلق بشئونه ؛ وقد وقف أبو بكر مترددا في قضية جمعه في مكان واحد عندما اقترح عمر بن الخطاب ذلك بعد حروب الردة خشية استشهاد القراء وضياع شيء مما كتب عليه ، وكذلك كان تردد زيد بن ثابت عندما أسندت إليه المهمة ، وكل منهما يقول : كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 3 » ؟ فكيف يتم ترتيب المصحف باجتهاد عثمان بن عفان ومن معه ، ولا يسمع صوت واحد يعترض عليهم في ذلك ؟ اللهم إلا أن يكون عن علم منهم جميعا أن ترتيب السور في المصحف بهذا الشكل كان معلوما للجميع أنه بتوقيف من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فإذا سلّم هذا فلننظر إلى أنواع الروابط بين سور القرآن الكريم ، ولنضرب لذلك أمثلة موضّحة .
--> ( 1 ) الإتقان للسيوطي : 1 / 84 . ( 2 ) رواه البخاري ، كتاب التفسير : 5 / 223 . ( 3 ) انظر الحديث في : صحيح البخاري ، كتاب فضائل القرآن : 6 / 98 .